Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 1) — Page 275
الله لسان إبراهيم العلة. وجدير ذكره أنه قد قيل هنا صراحة إن هذا الختان هو علامة العهد الذي بين تعالى وعبده، ويتبين من هذا أن الختان لم يكن هو العهد نفسه وإنما هو العلامة الظاهرية للعهد. ولكن اليهود لم يدركوا هذا واكتفوا بالختان فقط، فنبههم موسى عليه السلام إلى ذلك قائلا بألا يفرحوا بعمل واحد ويظنوا أنهم قد وفّوا جانبهم من العهد كما قال الرب : ولكن إن لم تسمعوا لي ولم تعملوا كل هذه الوصايا، وإن رفضتم فرائضي، وكرهت أنفسكم أحكامي، فما عملتم كل وصاياي، بل نكثتم ميثاقي. . فإني أعمل هذه بكم: أسلّط عليكم رعبا وسلاً وحُمّى تُفني العينين وتتلف النفس، وتزرعون باطلا زرعكم، فيأكله أعداؤكم ، وأجعل وجهي ضدكم " اللاويين ٢ : ١٤ إلى ١٧). يتبين من هذا أن الختان كان فقط علامة ظاهرية، وليس العهد المتوقع وفاؤه من ذرية إبراهيم. . أي أن هذا يكونوا طاهري القلوب، مطمئني النفوس بسنن الله، عاملين بأحكامه وقد وضح الأنبياء بعد موسى الموضوع أيما توضيح، فقال النبي إرميا منذرا بني إسرائيل من عذاب الله : "ها أيام تأتي يقول الرب، وأعاقب كل مختون وأغلف. . لأن كل الأمم غلف وكل بيت بني إسرائيل غلف القلوب" (إرميا ٩: ٢٥: (٢٦). ويبين هذا أن النبي إرميا لا يعتبر الختان البدني وفاء للعهد، وإنما هو ختان القلب الذي يوفي العهد. وخلاصة القول أن الله تعالى عاهد نسل إبراهيم عن طريقه أولا: أن يُخرج منهم عبادا مقربين. . أو بحسب تعبير القرآن الكريم "أئمة". . . أي أنبياء من أولي العزم؛ وثانيا أن يورثهم أرض كنعان فيملكونها. إنّ الوحي النازل على إبراهيم غير محفوظ بصورته الأصلية، وما نجده في التوراة من هذا الوحي لا يعطي شرحا وافيا للختان، ولكني أثبتُ من أسفار موسى "اللاويين" وسفر النبي إرميا أن المراد بالختان ليس الختان الظاهري، بل المراد الحقيقي تطهير القلب والطاعة الكاملة، وكان الختان البدني مجرد علامة ظاهرية لهذا. بعد هذا الشرح يكون معنى قوله تعالى: أوفوا بعهدي أوف بعهدكم أن يا بني إسرائيل، تذكروا أنه ثمة معاهدة معقودة بيني وبينكم، وقد وفيت بما عاهدتكم عليه، وبعثنا فيكم الأنبياء متتابعين، وجعلنا فيكم ملوكا؛ ولكنكم لم توفوا بجانبكم من العهد، وصارت قلوبكم غير مختونة، ونسيتم أحكامي، واستولى على أفئدتكم خشية من سواي؛ ولو وفيتم بنصيبكم من العهد فإني مستعد للمضي في الوفاء بنصيبي منه، أما إذا توقعتم مني الوفاء بينما أنتم دائما تنكثون بعهدكم فهذا خطأ منكم. وكما ذكرت من قبل أن هذا العهد الإبراهيمي أعيد بعده على لسان أنبياء آخرين. . فقد كرر موسى الذي أتى بالشريعة لبني إسرائيل-العهد نفسه، وهو مشهور ومعروف ورد ذكره كثيرا في التوراة، وأطلق عليه اسم "العهد" مرارا ورد في التوراة أن الله تعالى دعا موسى إلى جبل سيناء أو "حوريب"،