Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 1) — Page 273
ما هي نعْمَةَ تلك النعمة؟ يجيب القرآن الكريم في موضع آخر : ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ) (المائدة: ٢١). هكذا خاطب موسى عليه السلام بني إسرائيل عندما اقتربوا من الأرض المقدسة، وأُمروا بدخولها. . ولم يكونوا عندئذ ملوكا، بل كانوا يتيهون في الفيافي؛ كما أنهم لم ينالوا الملك من قبل، ولم يكن فيهم ملك قط منذ زمن إبراهيم حتى يوسف (عليهما السلام). أما بعد يوسف فكانوا عبيدا في مصر، وخرجوا من هذه العبودية على يد موسى نفسه، ووعدوا بالملك في الأرض المقدسة التي لم يكونوا قد دخلوها بعد. . كما تبين الآية التالية من سورة المائدة. إذا، فليس المراد من قوله تعالى: جعلكم ملوكا أنهم فعلا كانوا ملوكا في الماضي، وإنما المراد أنه تعالى وعدهم بالملك. وكذلك قوله تعالى : إذ جعل فيكم أنبياء لا يشير إلى الماضي، وإنما هو وعد بالمستقبل ولم يذكرهم بأمجاد سابقة وإنما بما ينتظرهم في المستقبل. . فذكر لهم موسى وعد الله تعالى بأنهم ينالون الملك ويكثر فيهم الأنبياء ويُعطون ما لم يُعْطَ أحد العالمين. . وجاء الخطاب بصيغة الماضي لحتمية تحقيق ما يعد الله تعالى به بعد دخولهم الأرض المقدسة. . فلا يتقاعسن عن فتحها ودخولها. ولقد كانت الأحداث التالية دليلا ثابتا على تحقق هذا الوعد. . حيث ظهر في بني إسرائيل الأنبياء بكثرة، وصاروا ملوكا، وفتح الله عليهم عن طريق سلسلة طويلة من الأنبياء علوما روحانية لا نجد نظيرها في أمة من الأمم الغابرة. من متى تم هذا الوعد؟ يتضح من التوراة أن هذا الوعد بدأ منذ زمن إبراهيم اللة. فقد ورد: "وقال له: أنا الرب الذي أخرجك من أور الكلدانيين ليعطيك هذه الأرض لترثها تكوين ١٥: ٧). وورد بعده أيضا أن هذا الوعد سوف يتحقق بهجرة قومه إلى بلد آخر حيث يصيرون عبيدا، وبعد أربعة أجيال سوف يخرجهم الرب منها إلى فلسطين فيملكونها. وتكون هذه الفترة لأن الآشوريين، سكان فلسطين، لم يتورطوا بعد في الإثم بحيث يستحقون الطرد منها عقابا لهم. ويتبين من هذا أن أول عهد كان على لسان إبراهيم، وكان موعد وفائه حين يخرج بنو إسرائيل من مصر بعد أن عاشوا هناك عبيدا. وهذا هو كما يتضح من التوراة والقرآن والتاريخ. فقول موسى في هذه الآية القرآنية يشير إلى زمن موسى هذا الوعد الإبراهيمي. ذلك ورب معترض يقول إن الوعد الإبراهيمي هذا لا يتضمن ذكر النبوة وإنما يشير إلى الملك فحسب. ولكن إذا قرأناه في ضوء ما جاء في أماكن أخرى من التوراة اتضح لنا الأمر تماما، فقد جاء فيها: "أجعل عهدي بيني وبينك وأكثرك كثيرا جدا. فسقط أبرام على وجهه وتكلم الله معه قائلا: أما أنا فهو ذا عهدي معك، وتكون أبا لجمهور من الأمم، وأثمرك كثيرا جدا، وأجعلك أمما، وملوكا منك يخرجون، وأقيم عهدي بيني وبينك وبين نسلك من بعدك من أجيالك عهدا أبديا لأكون إلها لك ولنسلك من