Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 1) — Page 240
فيه لقاعدة أو سنة ما. . اضطررنا للتسليم بأن الله عز وجل خلق بعض الوسائط لتكوين هذا العالم، وأصدر سننا خاصة سببت وجود هذا العالم بهذه الصورة. فإذا سلمنا بذلك، ولا بد من التسليم، فلا مفر إذن من الإقرار بأن وجود الملائكة أرباً وأسمى عن الاعتراض، لأنه إذا لم يكن اختيار وسيلة ما منافية لقدرة الله تعالى، فإن اختيار وسيلة غيرها لا يُعدّ أيضًا منافيا لقدرته عز وجل. وكذلك إذا اعتقدنا بأن الله عز وجل علاقة فعالة بإدارة هذا العالم اليوم أيضا، فلا داعي إذن إلى الاعتراض على وجود الملائكة. . فإن الله تعالى يستعمل النطفة الإنسانية للولادة، ويبرد غليل الإنسان بالماء، وينور على العالم بالشمس. . وإذا كانت هذه الوسائط لا تنال من قدرته فكيف يكون توسيطه تعالى للملائكة في إدارة نظام هذا الكون مدعاة إلى المساس بكبريائه وجبروته؟ والحق. . كما يتبين من القرآن وتُصدّقه نواميس القدرة الإلهية أن الله عز وجل، بقدرته الكاملة أخضع نظام العالم لقانون واسع متشعب. . يقول تعالى: رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (النازعات: ۲۹ - ۳۰)، وتدلنا هذه الآية على أن النظام السماوي مؤسس على قانون كامل. . منه ما هو خفى كالليل ولا يتبين إلا بإمعان النظر وإمعان التدبر ؛ ومنه ما هو ظاهر واضح وضوح النهار، ويتبين من الوهلة الأولى. . هذان النوعان من نواميس القدرة واضحان للناظرين فيهما، فالشمس والقمر مثلا يعرف الناس بعض تأثيراتهما، ولكن بعض أسرارها في غاية الخفاء حتى أن العلماء المتخصصين لا يزالون يبحثون فيها لمعرفة أسرارهما. هي إن أول حلقة في سلسة العلل والمعلولات هي الملائكة. فالقول بأن وجودها ينافي القدرة الإلهية وهم أوهى من بيت العنكبوت. . فإن العالم كله قائم على آلاف العلل والمعلولات، ولا يقول عاقل بأن هذه القوانين تتعارض مع قدرة الله تعالى، فكيف يكون وجود الملائكة كحلقة أولى في السلسلة مما ينال من قوته وسلطانه عز وجل. إذا كان النور سببا لإبصار العين وذبذبات الهواء علة لحاسة السمع. . ولا يمس ذلك قدرة الله، فكذلك وجود الملائكة كعلة في إدارة نظام هذا الكون لن ينال شيئًا من قدرة الله تعالى. وكما أن الملائكة هي العلة الأولى لخلق الإنسان، كذلك العلة النهائية للاتصال بالله تعالى؛ يقول عز وجل: وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (النجم : ٤٣). . أي أن المصير النهائي لكل مخلوق إلى الله تعالى. وهذا الاتصال الأخير يتم عن طريق الملائكة كما يُفهم من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا (غافر:۸). ونوجز القول هنا عن الملائكة بأنهم كائنات روحانية، خلقهم الله تعالى كالحلقة الأولى في خلق العالم المادي، وجعلهم مدبرين له وهم ليسوا عند الله تعالى كأصحاب الحظوة المقربين عند الملوك؛ بل إن الله تعالى أو جدهم سببا مبدئيا وعلة أولى لإدارة نظام هذا العالم ولإجراء التطورات والتغيرات الظاهرة في °