Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 1) — Page 205
٤. تتحدث هذه الآية وآيات أخرى عن وجود أزواج لأهل الجنة بما يومئ إلى علاقات جنسية تثير الشهوة. واستثارة الشهوات الجنسية في الحياة الآخرة تبعث على الاعتراض. . لأن الغرض الأساسي من الاتصالات الجنسية هو التناسل وحفظ النوع، فما الحاجة إلى ذلك في الجنة؟ ه. يتبين من صفات الجنة أنها محل للملذات المادية والمتع الجسدية وليست مقاما للنعيم الروحاني، ومثل هذه النعم المادية تافهة لا قيمة لها إذا ما قورنت بالنعم الروحانية. وخلاصة هذه الاعتراضات أن الإسلام معاذ الله، قد أسَفَّ بحياة الآخرة إسفافا؛ إذ جعلها محققة للأهواء النفسانية المنحطة، وبذلك أفسد معاني الحياة السامية الطاهرة. ولإدراك مدى بطلان هذه الاعتراضات ينبغي أن نمعن النظر في صورة الجنة كما يقدمها القرآن الحكيم. لقد صرّح القرآن بحقيقة الجنة، وقدّم لنا الأساس الذي ندرك به ما جاء في القرآن عن صفاتها ونعيمها حيث قال تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (السجدة: ١٨). ويتبين من ذلك أن كل ما ورد في القرآن الحكيم من وصف للجنة إنما هو على سبيل التمثيل ليس غير. وقد أكد الرسول و هذا المعنى وشرحه فيما رواه عن ربه عز وجل قال: قال الله تعالى: "أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر". (صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب صفة الجنة. ومسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها). فيتضح من ذلك أيضًا أن حقيقة نعم الجنة تختلف كل الاختلاف عن حقيقة النعم الدنيوية، فلو كانت هناك جنات وأثمار وأنهار وأزواج مادية لكانت مما رأته الأعين أو سمعت به الأذن أو خطرت على قلوب البشر مرارا وتكرارا. ويتحدث القرآن الكريم عن نعيم الجنة فيقول: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ)) (الرعد: ٣٦). تبين لنا الآية أن جنات الحياة الآخرة تختلف عن جنات الدنيا، فثمارها دائمة لا تنقطع، وظلالها ثابتة ممتدة لا تتقلص ، ولكن ثمار الدنيا وظلالها إلى زوال محتم. ووصف القرآن الحكيم الجنة في موضع آخر فقال: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ آسينٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرُ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفِّيٍّ وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ)) (محمد: (١٦). وكذلك وصف القرآن الجنة فقال: ﴿ يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ * لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ *)) (الصافات:٤٦ إلى ٤٨).