Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 1) — Page 190
فأرادوا حل هذه المسألة على ضوء نظرية التطور التي كانت تسترعي أنظارهم في تلك الأيام، فوقعوا في هذه العقيدة المنحرفة عن الحق. الله أما مفهوم الارتقاء الذي مفاده أن الإنسان في أول الأمر عبد آباءه أو مظاهر الطبيعة أو حيواناتها. . فهو باطل ومرفوض عقلا وتاريخا. والحق أن مفهوم الارتقاء بالنسبة للعقل الإنساني إنما هو مقصور على أن الأمور الدقيقة انكشفت على الناس شيئًا فشيئًا، وتم إظهارها بحسب نشوء العقل الإنساني. ولجهل الفلاسفة بأن التخلف الحضاري لا يرتبط بالضرورة مع النشوء والابتداء. . ظنوا أن عقيدة الأمم البدائية عن وجود ناشئ عن عقائد الشرك الأولى التي كانوا يؤمنون بها. ولو أنهم أنعموا النظر في التاريخ لعرفوا أن الأمم المختلفة تناوبت عليها أدوار متنوعة من الحضارة، فهناك أمم كانت متحضرة ذات باع كبير في العلوم والفنون ثم باتت محرومة منها. ألم يدرسوا حضارة اليونان والفرس والعراق ومصر؟ وهل غاب عنهم تاريخ الهند والصين؟ ألم يعرفوا الاكتشافات التاريخية القديمة التي تدلهم على أن بلاد الشرق كانت في الماضي ذات حضارات عظيمة ثم تلاشت اليوم، وأن هذه البلاد كانت في سالف الأيام منابع العلوم ثم صارت اليوم مصادر الجهل؟ فإذا كانت أدوار الحضارة والمدنية تسبق أدوار الجهل والتخلف. . فلا يستبعد إذن أن يكون دور التوحيد سابقا على دور الشرك. والشواهد على هذه الحقيقة موجودة في الأديان المعاصرة. . كالهندوسية مثلا، فإن "كشرنا" نبي الهندوس كان موحدا قبل ألفي سنة، وكان كتابه "جيتا" يتضمن عقائد التوحيد. وإذا قارنا ذلك الكتاب بعقائد الهندوس قبل اليوم بخمسمائة عام لوجدناهما على طرفي نقيض، وهذا يدل على أن التوحيد كان سابقا وأن الشرك كان تابعا. وكذلك اليهودية والمسيحية. . تختلفان اليوم عما كانتا عليه من التوحيد كما يتبين ذلك من التوراة والإنجيل. حتى ثم انظروا في تاريخ الإسلام الذي هو آخر الأديان والذي تأسس بنيانه على التوحيد، والذي كان مؤسسه حربا على كل ألوان الشرك طول حياته، ولم يغفل قط عن تنبيه صحابته إلى فخاخ الشرك لحظة وفاته، ولقد حذرهم قائلا: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (ص (صحيح البخاري، كتاب الصلاة، باب الصلاة في البيعة. . ومع ذلك نرى كيف انحرف الناس من أمته عن طريق التوحيد واتخذوا قبور الأولياء مساجد، ونسبوا إليهم ما هو من صفات الله تعالى، وتوسلوا إلى الأموات لقضاء حاجاتهم. فهل يصح لنا بالنظر إلى انحرافهم عن التوحيد إلى الشرك أن ندعي بأن ابتداء الإسلام كان من الشرك؟ هذه الشواهد كلها تدل على أن زعم الفلاسفة بأسبقية الشرك على التوحيد ليس إلا اختلاقا وافتراء.