Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 1) — Page 182
والعبادة تعني التذلل الكامل والاتباع الشامل، أي أن يجعل الإنسان نفسه خاضعة للتأثيرات الإلهية التي تسري فيها بيسر وثبات إن الاكتفاء بالمظاهر التعبدية غير كاف إذا لم تكن النفس صافية صادقة في تذللها واتباعها. ومن طبيعة النفس البشرية أن تنفعل للإحسان، وتكون أكمل انفعالا إذا شمله الإحسان هو وآباءه من قبله. والآية تُذكر الإنسان بأن الله تعالى صاحب الفضل والإحسان إليه وإلى آبائه وأجداده. . ذلك كي تثير فيه أكمل شعور بالمحبة. . فتقوم عليه العبادة الكاملة. فقوله اعبدوا ربكم الذي خلقكم يبين أن المستحق للعبادة الحقة هو الخالق الذي أوجد الإنسان وآباءه، وهو الرب الذي ربى الإنسان وآباءه من فضله وإحسانه. وإذا كان المرء يخلص المحبة لمن أسدى إليه جميلا، أو صنع لأبيه معروفا. . فالله تعالى ينعم عليه كل لحظة، وأنعم على آبائه السابقين نعما لا حصر لها، فهو سبحانه الجدير بالمحبة الكاملة والإخلاص التام. وفي قوله الذي خلقكم والذين من قبلكم حث الله على العبادة بأسلوب رائع جدا، يبين به حاجة الإنسان إلى عبادة الله تعالى، فيقول: إن الصانع يعرف صنعته، فالمهندس الذي شيد بناء يعرف مقدار الثقل الذي سوف يتحمله البناء، وكذلك الله تعالى. . خالق الإنسان وآبائه، والعليم بما أودع الإنسان من القوى والمواهب والكفاءات. . هو وحده القادر على إصلاح الإنسان أما أن يسلم المرء عنانه لأي معبود آخر. . يجهل صلاحياته ولا يقف على حدود استطاعته فلا بد وأن يدفعه إلى هوة الهلاك. فالعبادة الحقة ليست مجرد تقاليد جوفاء. بل هي التمسك بالمنهج الروحاني. . وهي الله عز وعلا. . لأنه العليم بقوى الإنسان المكنونة، الخبير بأساليب إنمائها والبلوغ بها إلى غاية الكمال. ثم أتبعه تحديد غاية العبادة وأخبر بأن الهدف المنشود للعبادة ليس مجرد إقرار العبودية لله تعالى، ولو كان كذلك، لكانت عبادة غير الله، رغم كونها ظلما لا ضرر فيها. ولكن العبادة لا تؤدي إلا لتكميل الروحانية والتقوى، وهذا الكمال لا يمكن أن يتحقق بيد مخلوقات لم تخلق الإنسان ولا تعلم ما أودع فيه من قوى خفية، وما هي خصائصها وحدودها. . ومن ثم فإنها ستحطم هذه القوى الرائعة بدلا من أن تبلغها الكمال. ولقد رأينا أن الإنسان إذا أسلم قياده لغير الله تعرض للخسارة الفادحة. . فمن قائدٍ يفتح له أبواب الحرية الحمقاء على مصارعها لينفلت بعيدا عن التقوى وطريق الكمال، وقائد آخر يصرف النظر عن قوى الإنسان فيحمله من الأعباء الثقال ما ينوء به كاهله وتتعطل به قواه ومواهبه؛ ومنهم من يوجهه إلى طريق الرهبانية وترك طيبات الدنيا؛ وآخر لم يميز بين النافع والضار، وسمى الشريعة لعنة، ومن ثم ألقاه في هوة الدمار. فالله تعالى هو الذي أعطاه تعليما لا ينسى به ،مسئولياته كما لم يضعه تحت أعباء تدمر قواه