Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 1) — Page 180
ومن نعمة الله تعالى أن البرق لا تصحبه الصواعق دائما، ومعنى ذلك أن الشدائد التي لا بد من من أذاها مواجهتها لا تكون في معظم الأحوال مهلكة والخير الناجم عن هذه الشدائد أكبر بكثير ومشاقها. فالعاقل من انتفع بها فواجهها بشجاعة، وبذل في سبيل الله تعالى غير هياب ولا وَجل. إن الآية الكريمة تحذر المؤمنين أيما تحذير. إنها تخبرهم بأن الله تعالى عندما يرسل رسالة يجعل طريقها الدين محفوفة بالمشاكل والشدائد، وإن سبيل الدين لا يُفرش بالأزهار والورود، بل ينال الإنسان بغيته من باجتياز الغابات الشائكة ومن أراد الإيمان ،ولذته فعليه أن يتحمل المشقات، ويعرف الآلام، ويقدم التضحيات بكل ما يلزم لبلوغ هذه الغاية. والذي يتنصل عن التضحية ثم يزعم بأنه يريد الإيمان إنما يتصرف تصرف الحمقى، لأنه يريد التقرب إلى الله بالنفاق. . ومن المستحيل أن ينجح ويبلغ غايته. إن الباحث عن الحق إذا أدرك ذلك حق الإدراك ففلاحه أكيد وإذا لم يدرك هذه الحقيقة صار نهبة للأوهام والأماني الكاذبة، وباء بغضب من الله بدل من أن ينال فضله. . والعياذ بالله! وقوله تعالى : إن الله على كل شيء قدير يدل على أن الخوف الذي يتسلط على قلوب ضعاف الإيمان ناتج عن نقص إيمانهم وجهلهم بحقيقة صفاته جلّ وعلا. لماذا يخافون التضحيات يا ترى؟ إنما سببه خوفهم من أذى الكفار. والحق أنهم لو أيقنوا بقدرة الله تعالى حق اليقين، ما وقعوا في مثل هذه الشبهات. لو أيقنوا أن الله قادر على ما يريد، لما خافوا الكفار. ألا فليعلم المنافقون أن الله تعالى قدير على كل ما يقضي به من الأمور، لا مانع ولا حائل دون إرادته. فإذا كان تعالى قد قضى بانتصار الإسلام وازدهاره فكيف يحول الكفار - مهما كثر عددهم وعدتهم دون ما يريد؟ تذكروا صفات الله وقووا إيمانكم حتى يزول عنكم الخوف والتردد إلى الأبد. إنه مما لا شك فيه أن جميع أنواع الضعف والمعاصي ناشئة عن الجهل بالصفات الإلهية ونقص الإيمان بها. ويجب على الخائف من غير الله أن يستيقن بأن ضعف الإيمان بصفات الله تعالى هو الذي يسبب الخوف، ولولا ذلك الضعف لما كان الخوف أيضًا. وبمناسبة قوله تعالى إن الله على كل شيء قدير سأل بعضهم : هل تعني هذه العبارة أن الله تعالى قدير على أن يكذب أو يموت؟ مثل هذا التساؤل لا يصدر إلا عن قلة تدبر وضآلة فكر. فوصف القدير صيغة مبالغة من قدر وتعني ذو القدرة الكاملة. وليس الكذب والموت من الكمال في شيء بل هما من النقائص، وذو القدرة الكاملة متره عن النقص، ومن ثم فإن صفة القدرة لا تتعلق بهذه النقائص. وإنه لمن السخف أن يقول قائل: إن فلانا عظيم الشجاعة حتى أنه ليفر من الفأر! إن الشجاعة والفرار لا يجتمعان كذلك كمال القدرة والنقائص لا يتفقان.