Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 1) — Page 173
إن التعبير عن التعاليم الدينية والآيات السماوية بلفظ النار وارد في القرآن الكريم، فعندما كان العليا عائدا من مدين رأى تجليا سماويا بصورة النار حكاها القرآن في قوله: آنَسَ مِنْ جَانب موسی الطُّورِ نَاراً (القصص:۳۰). فلما اقترب إليها ناداه الله تعالى: يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (القصص: ۳۱). وكذلك شبه الكلام السماوي بالنار في قوله تعالى: يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نار (النور: ٣٦). . مشيرا إلى أن الذين لهم فاعلية روحية قوية تكاد تتوقد روحانيتهم من تلقاء نفسها قبل أن تتلقى الوحي الإلهي الذي عبر عنه بالنار. کلام الله فالمنافقون لما وجهوا الدعوة مع أهل المدينة إلى الرسول الله الله جاءهم مُظهرا للتجلي الإلهي، فأضاء جوانب النفوس، عندئذ ثار الحسد في قلوب المنافقين فحرموا أنفسهم من الخيرات. وتشبيه التجلي السماوي والكلام الإلهي بالنار ليس عجيبا، فقد عبر العرب عن المحبة بالنار. وإذا كان الحب ينير في نفس المحب تلك المشاعر التي تتملك قلبه وتغلب غيرها من الأحاسيس، فإن التجليات الإلهية والوحي الرباني تقضي على الأهواء الفاسدة وتمحق الميول والنوازع إلى المعاصي، وتطهر القلب من كل سوء فلا يبقى به إلا حب الله تعالى وحب ما يحب. . فتشبيهها بالنار تشبيه صادق ولطيف. كما أنها قد شُبهت أيضا بالماء في بعض الآيات لما لها من تأثيرات أخرى مناسبة. وفي الأسلوب العربي يعبر عن الحرب أيضًا بالنار. تقول العرب: خمدت ناره أي انهزم في الحرب. وقد ربط العرب النار بالحرب حتى إنه إذا حمدت نار فريق أثناء المعركة تشاءموا. وقد فر أبو سفيان بجيش المشركين في موقعة الأحزاب بسبب انطفاء نيرانهم بفعل الرياح الشديدة. وقد أشار الله تعالى إلى هذا المعنى في قوله: كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْب أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ (المائدة : ٦٥). وعلى ضوء هذا المعنى يكون مفهوم الآية أن المنافقين قد دسوا الدسائس وكادوا المكائد، متعاونين مع الكفار، وألهبوا نار الحرب ضد المسلمين على أمل أنهم سيبيدون الإسلام، ولكن النتائج جاءت على عكس ما تمنوا، فتضاعفت قوة الإسلام وتأصلت عظمته في القلوب، وبدلا من أن ينتفع المنافقون بمكائدهم ذهب الله بنورهم أي فقدوا نور بصيرتهم وتخبطوا حتى وقعوا في الحفرة التي حفروها للإيقاع بالمسلمين. وقوله أذهب الله بنورهم يعنى أيضًا أن العباءة النورانية للإسلام التي لبسها هؤلاء المنافقون نزعها منهم، بمعنى أن الكفار لم ينتصروا في هذه الحرب التي أشعلوها ولكن انكشف نفاقهم بسببها. . ذلك أنه بعدم اشتراكهم في الحروب ظهر بطلان ادعائهم بالإيمان، وبالتالي تبين للمسلمين خطأ حسن ظنهم الله بأنهم مسلمون.