Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 1) — Page 143
إذا عرف أسلوب العمل الصحيح أو كان من الممكن معرفته ثم يصرف المرء نظره عن الاتجاه العملي الصحيح أو يتغاضى عنه مدعيا حُسن النية. . فلن يكون ذلك مقبولا أو معقولا. . فمن أهمل الصحيح متعمدا فقد شهد على نفسه بفساد النية بالدليل العقلي. ثم إن الاتجاه العملي الصحيح في الأمور الروحانية هو ما يأتي من عند الله، ولذلك فحسن النية هو لمن لا يدخر وسعا في معرفة ذلك الطريق والتمسك به عمليا. وبما أن القرآن الحكيم يعلن بأن الطريق الصحيح بعد البعثة المحمدية هو ما تجلى به الله على النبي الله ، لذلك لا يبلغ الغايات الروحانية العليا إلا من آمن بالكلام المنزل عليه. فبعد أن يؤمن المتقي إيمانا إجماليا، عليه أن يبذل جهده لتدعيم إيمانه بالعمل. . والعمل الصحيح المدعم للإيمان والتقوى هو ما أوحى به الله إلى سيدنا ومولانا. وإذن فلا بد من الإيمان بالوحي المنزل عليه لاستيعاب عناصر التقوى. 6 ويزعم البعض أن الله يأمر بالإيمان بالقرآن وحده، ولم يأمر بالإيمان بالرسول ، فالطاعة إذن لأوامر القرآن، وليس للرسول طاعة عليهم، وإلا كان ذلك شركا. وقد ظهر أصحاب هذا القول في الهند منذ فترة، وأصلهم من الخوارج القائلين بأن الحكم لله وحده والأمر شورى بينهم". لقد انخدع هؤلاء بسبب عدم تدبرهم في معاني القرآن الحكيم. وقد بنوا وهمهم هذا على الآيات التي يعلن فيها القرآن أنه كتاب كامل لا ينقصه شيء، وقالوا بأنه لا داعي لهداية هاد أو تفسير مفسر. وتغالوا في ذلك حتى أوّلوا الآيات التي تأمر بطاعة الرسول، بقولهم أن المراد بالرسول هو القرآن نفسه. ولكنهم لا ينتبهون إلى أن القرآن الكريم نَسَب نزول الكتاب إلى الرسول وإلى الأمة حيث يقول: يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ (البقرة : ٥). ويقول أيضًا: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلا (الأنعام: ١١٥). وهذا الأسلوب لا يختص بالنبي ﷺ فحسب، بل يعم سائر الأنبياء. قال الله تعالى عن موسى: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَاب) (البقرة: (۸۸). وقال أيضًا: وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ)) (آل عمران: ٢٠٠). وهنا تساؤل: لماذا نسب الله نزول الكتاب إلى الرسول مرة وإلى الناس مرة أخرى، ولم يكتف بذكر إنزاله إلى القوم فقط؟ السر في ذلك أن نسبة الكتاب إلى القوم يعني أن الكتاب أنزل للناس، وهذا تنبيه لهم بأن تعاليمه مناسبة لهم وتصلح لأحوالهم، وترمي إلى ما يعود بالخير عليهم. أما نسبة نزول الكتاب إلى الرسول فتشير إلى وجود موافقة تامة بين فطرة الرسول وبين ما يشتمل عليه الكتاب من تعاليم، وأنه تفسير عملي حي للكتاب. ولولا ذلك لما قيل أنزل إليك مرة، وأنزل إليكم مرة أخرى، أو آتينا موسى الكتاب مرة ثالثة، ولاكتفى بقول : آمنوا بالقرآن، أو آمنوا بالتوراة. فما دام القرآن الحكيم لم يستخدم هذا الأسلوب فلا بد من الاعتراف بأن هذا الأسلوب البياني فيه حكمة