Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 10) — Page 514
٥١٤ الجزء العاشر سورة الكافرون كانوا يؤمنون بالله تعالى كما يؤمن الرسول ، وكانوا يعتبرونه الله سيد الآلهة كلها، إنما خطؤهم أنهم كانوا يرون بضرورة اتخاذ آلهة أخرى مع الله، إذ يقول الله تعالى (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى (الزمر: (٤). . أي أن الذين يتخذون آلهة من دون الله تعالى يقولون إنما نعبدها لتزيدنا قربًا من الله تعالى. لقد تبين من هنا أن أهل مكة كانوا يؤمنون بالله تعالى، وبأنه مَلِكُ الكون كله. . غير أنهم كانوا يدعون أن هناك آلهة أخرى مقربة عند الله، وأنهم يعبدونها لكي تزيدهم قربا من الله وتشفع لهم عنده. فلما كان مشركو مكة يؤمنون بالله تعالى وبضرورة قربه وما كانوا يعبدون الآلهة الباطلة إلا لتشفع لهـــم عند الله تعالى، فكيف يُتصور أنهم ما كانوا يعبدون الله تعالى؟ وإذا كانوا يعبدونه تعالى، فكم كان سخيفا بأن يقولوا للرسول الله أن يعبد الهتهم فيعبدوا إلهه؟ إن الإيمان بالله تعالى كان أمرًا مشتركا بين المسلمين والمشركين، إنما كان النزاع حول الآلهة الباطلة ، فمطالبتهم النبي و الله أن يؤمن بما لا يؤمن به سلفا، فيؤمنوا بمــــا هم مؤمنون به سلفًا، لهو أمرٌ يُضحك المخبول أيضًا، إذ يقول لأصحاب هذا العرض : ماذا تُعطون محمدًا مقابل مطالبتكم؟ إنكم تعطونه ما هو ملك له، وتطالبونه بما لا تملكونه ولا غيرُكم. فما هذا الصلح الذي تدعونه إليه؟ فمطالبة الكفار التي وردت في هذه الروايات خلاف للعقل، وتتعلق بأمور قد حسمها القرآن سلفًا، فلم تكن بعده حاجة لنزول سورة لحسمها، فإن خــــدام النبي ﷺ - ناهيك عن رسول الله ﷺ نفسه - يستطيعون الردّ على عرض الكافرين هذا ردًّا مفحما. فمطالبة الكفار حماقة منهم ، ومن المستحيل أن يكون الرسول ﷺ قد قال ردًّا على حماقتهم: إنه سؤال وجيه ولا أستطيع الرد عليه، وسوف أجيبكم بعد أن أسأل الله تعالى. ثم إنه من غير المعقول أن يُنزل الله تعالى للرد على عرضهم السخيف سورةً لا تتضمن إلا ما كان المسلمون يعلنونه منذ أربع سنوات، ويضحي من أجله رجالهم ونساؤهم وأحرارهم وعبيدهم بأرواحهم واحدا بعد الآخر.