كتاب البراءة — Page 300
٣٠٠ كتاب البراءة الإلهام والوحي الإلهي، بحيث مدّوا أيديهم إلى منصب النبوة كمدع، وكــــل ترجمة ينشرها هؤلاء باسم الإنجيل كأنها إنجيل جديد يقدمونه من عندهم. فلو كانوا يخافون الله لنشروا النسخة الأصلية للإنجيل أيضًا مع جميع الترجمات التي صدرت، على شاكلة المسلمين في نشر القرآن الكريم. لكنهم أخفوا الأصل ونشروا الترجمات التي هي اختراع أيديهم، فلا شك أن اختراع المرء كلامًا من عنده ثم نسبته إلى الله نوع من دعوى النبوة. وكذلك تثبت دعواهم الألوهية بتصرفات فلاسفتهم؛ إذ يريدون أن يتدخلوا في سر الخلق الإلهي لكي يحرزوا السيطرة على جميع أفعال الألوهية. ومن الطبيعي أن الإنسان إذا أراد التدخل في نظام الله البري والبحري والأرضي والسماوي، وأراد التحكم في نظام العالم بالخوض في البحوث العلمية والتوصل إلى كنه كل شيء، فكلما حقق نجاحات في البحوث الفلسفية والتحقيق والفحص والاختبار وأنجز أفعال النظام الإلهي حسبما يريد؛ ولدت هذه النجاحات فيه سمات التكبر الذي هو من خصائص كبرياء الله الا الله. وبسكرة التكبر تستولي على نفسه الرذيلة سمات الأنانية بحيث يمكن أن يُقال لها بتعبير آخر ادعاء الألوهية، ولا سيما إذا أحرز هذا الفيلسوف المتكبّر بقدرته العملية إمكانية إحداث عاصفة مثلا أو طوفانا، أو إنزال مطر. فهذه النجاحات تقتضي أن يُلاحظ في نفسه علامة الألوهية، وينظر إلى الله جل شأنه باحتقار، ومن ثم تقل عظمة الله الله في قلب هذا الإنسان بين حين وآخر، ويستقر في قلبه أن الناس ربما اعتقدوا بوجود الله لعدم إدراكهم سلسلة العلل والمعلول، فهو نتيجـة شـــؤم تلـــك النجاحات التي يحرزها في الماء والهواء والأنهار والبحار والنباتات والحيوانات والجمادات وأنواع الإنجازات وصنوف الاختراعات وأجرام الفلك والنظــــام الشمسي عن طريق الفلسفة الجديدة والكيمياء وغيرها من العلوم، واكتشاف و