سفينة نوح — Page 32
۳۲ ــدوا ولستم بشيء من دونه لا أنتم ولا أسبابكم ولا مكائدكم. لا تقل غيركم من الأمم التي تهافتت على الأسباب كليةً، ولَحَــست ثـــرى الأسباب السفلية كما تلحس الأفاعي التراب، وعضت علـــى الجيفــــة بنواجذها كما تنهش الحِدانُ والكلابُ الجيفة. لقد بَعدَ هؤلاء عن الله تعالى بُعدًا كبيرًا، وعبدوا البشر، وأكلوا لحم الخنزير، وشربوا الخمــــر كالماء، وهلكوا لتمايلهم على الأسباب أكثر من اللازم، وماتوا بسبب عدم استعانتهم بالله تعالى، وطارت منهم الروح السماوية طيران الحمام من العش إن في باطنهم جُذام التكالب على الدنيا الذي جدّم أعضاءهم الباطنة كلها، فاحذروا أنتم ذلك الجذام ! لا أمنعكم من اتخاذ الأسباب باعتدال، إنما أمنعكم من أن تكونوا عبدةً للأسباب مثل الأقوام الأخرى، فَتَنْسَوْا ذلك الإله الذي هو يهيئ الأسباب أيضًا. لو كانت عندكم عين لرأيتم أن الله هو كل شيء، وأن ما سواه باطل كله. إنكم لا تستطيعون مَدَّ أيديكم ولا ضَمَّها إلا بإذنه تعالى. سيسخر من هذا الكلام من هو كالميت، لكنه لو مات لكان خيرًا له من هذه السخرية! ألا لا تقلدوا الأمم الأخرى برؤية ما حققوه من تقدم في خططهم الدنيوية، فتقولوا هَلُمَّ نتبع سبيلهم. ألا فاسمعوا وعوا، إنهم لا يعرفون أبدا الله الذي يدعوهم إلى نفسه، وغافلون عنه تماما. ما هو إلههم؟ إن هو إلا إنسان عاجز، ولذلك فقد تركوا في غفلتهم يعمهون.