سفينة نوح — Page 83
۸۳ الحكيم الذي علمناه في هذه السورة، أعني: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، فهو ينطوي على مفهوم شامل يمكن اعتباره المفتاح الوحيد لمقاصد الدين والدنيا كلها ذلك أننا لا نستطيع الوقوف على حقيقـــــة شيء ولا الانتفاع بما فيه من فوائد ما لم نجد للوصول إليــه ســبيلا مستقيماً. إن النجاح لصعب جدا بل مستحيل في كل ما يوجد في الدنيا من أمور صعبة ومعقدة سواءً منها ما يتعلق بمسؤوليات الدولـــة والوزارة أو الجندية والحرب ،والقتال أو المسائل الدقيقة في علم الطبيعة والهيئة، أو طرق الفحص والمعالجة في علم الطب، أو التجارة والزراعة- ما لم نعثر على طريق مستقيم يبين لنا كيفية بدء تلك الأعمال وإن كل لبيب يرى لزاما عليه وقت الشدائد أن يفكّر طويلاً بالليل والنهار فيما حلّ عليه من مشكلة معقدة لكي يجد للخلاص منها سبيلاً. والحق أن القيام بأي صنعة أو اكتشاف أو أمر معقد عويص ليتطلب شق طريــــق له. لقد ثبت من هنا أن الدعاء الحقيقي لنيل مقاصد الدنيا والدين إنمــــا هو دعاء الاهتداء إلى الطريق السليم، فإذا تيسر الطريق السوي للأمر تحقق حتما بفضل الله تعالى. لقد جعل الله تعالى بقدرته وحكمته طريقًا لتحقيق كل مطلب، فمثلاً من المستحيل أن يعالج المريض علاجــــا صحيحًا ما لم يتوافر لفحص مرضه ووصف الدواء له سبيل يُفتي القلبُ بأنه سيؤدي إلى النجاح حتمًا، بل لا يمكن أن يستتب في الدنيا نظام ما لم يمهد له الطريق أولاً، لذا يتحتم على طالب غرض أن يتحرى السبيل