الحرب المقدّسة — Page 212
۲۱۲ الحرب المقدسة أما إضافة إلى ذلك، فقد بيّنتُ جانبا من السؤال عن الرحم بغير مقابل، جانبه الثاني فهو أنه لا بد من النظر في نواميس الطبيعة التي وضعها الله تعالى للإطلاع على سنته في تنفيذ الرحم والعقاب إذ من المعلوم أن العقاب يقابل الرحم. إن كان الرحم دون مقابل غير جائز فإن العقاب دون مقابل أيضا يكون غير جائز. وهنا ينشأ اعتراض صعب جدا لو حله السيد آتهم المحترم لاستفاد الحضور من فلسفته كثيرا. إن كيفية العقاب دون مقابل هي أننا نرى في الدنيا بأم أعيننا أن آلاف الحشرات وآلاف الدواب تقتل بغير جريمة ارتكبتها وتهلك وتذبح بدون خطأ منها حتى إننا لنشرب مئات الكائنات مع واحدة من الماء. وإذا تأملنا في الموضوع أكثر لوجدنا أن كافة أمور حياتنا تجري على عقاب الله بدون مقابل، ويمكن أن يقدر المرء كم من نفوس منفوسة ألبسة الحرير التي نلبسها ويأكل السادة المسيحيون لحوم الدواب قطرة تقتل في صنع اللذيذة كل يوم ولا ندري لأية جريمة يستمر ذلك. فلما كان ثابتا متحققا أن الله تعالى ينزل غضبه دون مقابل ولا يعوّض بشيء، ففي هذه الحالة إن الرحم بغير مقابل هو الأنسب والأولى من حيث مقتضى الأخلاق. نرى المسيح الع أيضا يوصي بغفران الذنوب ويقول: اغفروا لمن أخطأ في حقكم. والمعلوم أنه إذا كان غفران الذنب لأحد يخالف صفات الله جل شأنه لما أُعطي الإنسان هذا التعليم أصلا. بل يقول المسيح ال: "لا أَقُولُ لَكَ إِلَى سَبْع مَرَّاتٍ، بَلْ إِلَى سَبْعِينَ مَرَّة"، أي اغفر الأخطاء إلى هذا الحد. لاحظوا الآن، لقد أعطي الإنسان تعليما أن يغفر دون مقابل أخطاء المخطئين في حقه إلى ما لا نهاية له، ولكن الله تعالى بدوره يقول بأني لن أغفر بغير مقابل قط، فأي تعليم هذا؛ إذ يقول المسيح في مكان أن اجعلوا أخلاقكم تابعة لأخلاق الله فإنه يُطلع شمسه وقمره على الصالحين والطالحين على السواء ويمتع المخطئين وغيرهم جميعا بغيث رحمته، فلما كان الحال على هذا المنوال كيف كان ممكنا أن يعطي المسيح تعليما يخالف صفات الله؟ أي إذا كان من