عصمة الأنبياء عليهم السلام — Page 96
عصمة الأنبياء عليهم السلام كلمة "قربان" مستمدة من القرب. وفي ذلك إشارة إلى أن قرب الله لا ينال إلا حين يطرأ الموتُ على القوى والأعمال النفسانية كلها. باختصار، إن هذه الآية لبرهان عظيم على قرب النبي ﷺ التام، وإعلان بأن النبي لله كان فانيا في الله إلى درجة صارت جميع أنفــــاس حياته وموته لله وحده، و لم يعد في وجوده أي نصيب للنفس والمخلوق والأسباب. وخرت روحه على عتبات الله بإخلاص بحيث لم تبق فيهــــا شائبة من غير الله. فبذلك أكمل الله على أتم وجه جانبا من الشرط الذي لا بد منه للشفيع. والجملة الأخيرة في الآية المذكورة آنفا هــــي: مَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وفيها إشارة إلى أن تضحيته ﷺ إنما هي لمصلحة العالم كله والجانب الآخر لشرط الشفاعة هــو مواساة الخلق. ولقد كتبتُ قبل قليل أن الكلمة الثانية من الآية: دَنَى فَتَدَلَّى أي: "تدلّى"؛ تدل على المواساة نفسها. ليكن معلوما أن مصدر "تدلّى" هو "دلو"، ومعناه إرسال الدلو في البئر ليمتلئ ماء. ومعناه الثاني هو اتخاذ المرء أحدا شفيعا له. فمعنى "التدلي" هو التوجه من أجل الشفاعة - إلى الناس البعيدين بكمال المواساة والنصح، والاقتراب منهم كثيرا، وإبعاد الماء الكدر عنهم وإعطاؤهم الماء النقي الطاهر.