حقيقة الوحي — Page 18
۱۸ حقيقة وبسببه يجد طريقا صائبا أيضا، ولكنه لا يستطيع أن يتخلص من البرد لكونه بعيدا عن النار، كما لا تحرق النارُ كيانه النفسي. والكل يفهم أنه لو رأى أحد ضوء النار من بعيد في ليلة حالكة الظلام والبرد القارس فإن رؤيته الضوء فقط لن تنقذه من الهلاك، بل يُنقذ من الهلاك من يقترب من النار لدرجة تزيل برده بما يكفي. أما الذي يرى الضوء من بعيد فقط فعلامته أنه توجد فيه بعض أمارات الصراط المستقيم دون أن يوجد ما يدل على فضل الله الخاص، ولا تزول عنه حالة القبض الناتجة عن الأهواء النفسانية والنقص في التوكل ولا يحترق كيانه النفسي وأنانيته إلى أن يصير رمادا؛ لأن شعلة النور ما زالت بعيدة عنه جدا؛ فلا يكون وارثا حقيقيا للأنبياء والرسل، وتبقى بعض الشوائب الداخلية كامنة فيه، ولا تخلو علاقته مع الله تعالى من الكدورة والنقص، لأنه يراه الله من بعيد بنظرته الضبابية ولا يكون في كنفه. فالذين توجد فيهم أهواء نفسانية، وفي بعض الأحيان تبدي أهواؤهم ثورانها وطوفانها في الرؤى، فيظنونها ثورة من الله تعالى، أنها ليست إلا ثورة النفس الأمارة. فمثلا يقول مع أحدهم في رؤياه إني لن أطيع الشخص الفلاني لأني خير منه، ويستنتج من أنه خير من غيره في الحقيقة مع أن كلامه هذا يكون ناتجا عن ثورة نفسه. وهكذا يأتي في أحلامه بكلام كثير ناتج عن ثورة نفسه ويظن جهلا منه أنه تعالى ذلك ينال مرضاة الله فيهلك. ولما لم يكن قد توجّه إلى الله تعالى كلية و لم يختره بكل قوة وبصدق كامل ووفاء تام، لذا لا تتجلى رحمة الله أيضا عليه بصورة كاملة، فيكون هذا الشخص كجنين نُفخت فيه الروح ولكنه لم ينفصل عن المشيمة بعد، ولا زالت عينه محجوبة عن مشاهدة العالم الروحاني بصورة كاملة، ولم يروجه أمه التي نشأ في رحمها، وبحسب القول القائل: "العلم القليل فتنة" لا يزال في خطر بسبب معرفته الناقصة. صحيح أن أناسا مثله قد يطلعون على بعض المعارف والحقائق أيضا ولكن مثلها كمثل حليب اختلط به شيء من البول، أو كماء فيه شيء من النجاسة والشخص الحائز على هذه الدرجة