حقيقة الوحي

by Hazrat Mirza Ghulam Ahmad

Page 17 of 667

حقيقة الوحي — Page 17

۱۷ يوجد في الدنيا أناس ملتزمون بالعفة والزهد إلى حد ما، علاوة على وجود القدرة الفطرية فيهم على تلقى الرؤى والكشوف حيث إن في بنيتهم الدماغية قابلية لتلقي الرؤى والكشوف إلى حد ما، ويحاولون أيضا قدر الإمكان إصلاح نفوسهم، وتنشأ فيهم الحسنة والصدق بصورة سطحية، وبسببهما تنشأ فيهم أنوار الرؤى الصالحة والكشوف الصادقة إلى حد ما ولكنها لا تكون خالية من الظلمة. بل تُستجاب بعض أدعيتهم أيضا ولكن ليس في أمور عظيمة، وذلك لأن صدقهم لا يكون كاملا، بل يكون مثل الماء الذي يبدو ظاهره صافيا وفي قاعه روث وقذارة، وبما أن تزكية نفوسهم لا تكون قد اكتملت ويكون صدقهم وصفاؤهم ناقصا إلى حد كبير فيتعثرون عند الابتلاء. ولو حالفتهم "الستار"، لخلوا من الدنيا دون عثار، أما إذا واجهوا رحمة الله وحماهم ستر الله ابتلاء فيُخشى عليهم سوء العاقبة كبلعام باعور، وأن يُشبهوا بالكلب بعد أن كانوا ملهمين؛ لأن الشيطان متربص بهم على أبوابهم ويدخل بيوتهم على الفور بمجرد عثارهم بسبب النقص في حالتهم العلمية والعملية والإيمانية. إنهم يرون النور من بعد ولكن لا يدخلونه ولا ينالون نصيبا كافيا من حرارته، لذا فإن حالتهم تكون في خطر دائما فالله تعالى نور كما قال الله نور السماوات والأرض فالذي يرى أمارات نوره فقط مثله كمثل الذي يرى من بعيد دخانا ولا يرى ضوء النار فيُحرم من فوائد الضوء ومن حرارته التي تحرق شوائب البشرية. فالذين يستدلون على وجود الله تعالى من الشواهد العقلية أو النقلية أو الإلهامات المزعومة فقط كعلماء الظاهر والفلاسفة أو الذين يقرون بوجود الله من خلال قواهم الروحانية أي قدرتهم على الكشوف والرؤى ولكنهم محرومون من نور قرب الله تعالى - فمثلهم كمثل الذي يرى دخانا من بعيد ولا يرى ضوء النار بل يقر بوجود النار بالنظر إلى الدخان فحسب. فهذا مثل الإنسان المحروم من البصيرة التي تأتي بواسطة النور. أما الذي يرى لمعان النور من بعيد دون أن يدخله فمثله كمثل الذي يرى ضوء النار في ليلة مظلمة