حقيقة الوحي — Page 11
وحبه ولكن رؤاهم وإلهاماتهم لا تكون مصحوبة بعلامات القبول عند الله وفضله، كما لا يكون أصحابها منزهين عن نجاسة النفس. فلا يرون الرؤى إلا لتكون حجة عليهم ليؤمنوا بأنبياء الله الأطهار، لأنهم لو ظلوا محرومين كليا من فهم حقيقة الرؤى الصالحة والإلهامات الصادقة، ولو لم يحصلوا بذلك على علم اليقين لكان لهم عند الله عذر أنهم لم يكونوا قادرين على فهم حقيقة النبوة لجهلهم بالموضوع جهلا تاما. وحُقَّ لهم أن يقولوا: قد جهلنا حقيقة النبوة تماما؛ إذ لم تُعط فطرتنا لفهمها نموذجا فأنّى كان لنا أن ندرك هذه الحقيقة الكامنة؟ لذا فإن سنة الله القديمة الجارية منذ بدء الخليقة هي أن الناس عمومًا يرون رؤى صالحة ويتلقون إلهامات صادقة إلى حد ما كنموذج، بغض النظر عن كونهم صالحين أم طالحين، أبرارا أم فاسقين، وسواء أكانوا على دين صادق أم باطل، لكي تصل إلى علم اليقين أفكارهم وخيالاتهم المبنية على النقل والسماع فقط، ولكي يكون في أيديهم نموذج من أجل التقدم الروحاني. ولتحقيق هذا الهدف فقد خلق الله الحكيمُ المطلقُ دماغ الإنسان بصورة معينة وأعطاه قوى روحانية بحيث يستطيع أن يرى بعض الرؤى الصالحة ويتلقى بعض الإلهامات الصادقة ولكن تلك الرؤى والإلهامات لا تدل على عظمة أو صلاح فيهم وإنما تدل على أنهم يتقدمون شيئا فشيئا، وعلى أن صاحبها سليم الفطرة بشرط ألا يلقى عاقبة سيئة بسبب أهوائه النفسانية. ويُتوقع من صاحب هذه الفطرة أن يتطور إن لم تعترض سبيله العوائق والحجب. فمثلا نعرف من خلال بعض المؤشرات أن تحت أرض معينة ماء ولكنه غائر وتحت طبقات كثيرة ومختلط بأنواع الوحل، وإن لم تُبذل جهود مضنية، و لم تُحفر الأرض لأيام فلن يخرج ذلك الماء الصافي الزلال والقابل للاستهلاك. فمن الشقاوة العلم ثلاثة أنواع، الأول: علم اليقين كأن يرى الإنسان دخانا في مكان بعيد ويتأكـــــد من وجود النار فيه بالقياس على الدخان. والثاني: عين اليقين كأن يرى النار بعينه. والثالث : حق اليقين كأن يُدخل يده في النار ويحس بحرارتها، منه.