حقيقة الوحي — Page 9
فليتضح أنه لما كان الإنسان قد خُلق ليعرف خالقه ويبلغ درجة اليقين من أجل الإيمان بذاته وصفاته، فقد فطر الله تعالى ذهن الإنسان ووهب له قوى عقلية بحيث لو ألقى نظرة على صنع الله تعالى مستخدما تلك القوى لوصل إلى كنه حكمة الله -عز اسمه الكاملة، وأدرك ما يوجد من التركيب البليغ والمحكم في كل ذرة من نظام العالم ولعلم ببصيرة تامة أن هذا الكون الواسع المكون من السماوات والأرض لا يمكن أن يوجد دون خالق، بل لا بد أن يكون له خالق. ومن ناحية ثانية فقد أعطي حواس وقوى روحانية لكي الخلل أو النقص الذي يمكن أن يتركه العقل في معرفة الله تعالى، لأنه لا يمكن الحصول على معرفة الله تعالى بصورة كاملة بواسطة العقل وحده. والسبب في تسد أن ذلك أن عمل العقل الذي أعطيه الإنسان مقصور على أن يحكم أنه ينبغي يكون لهذا العالم جامع الحقائق والحكم خالق، وذلك بالنظر في السماوات والأرض وما فيهما وترتيبهما البليغ والمحكم ولكن ليس بوسعه أن يحكم أن ذلك الخالق موجود في الحقيقة. والظاهر أيضا أن الإحساس بضرورة الصانع أو الخالق لا يُعدُّ معرفة كاملة إلا إذا بلغت مبلغ اليقين بأن ذلك الصانع موجود في الحقيقة، لأن القول إنه ينبغي وجود خالق لهذه الأشياء لا يساوي قط القول بأن الخالق الذي اعترف بضرورته موجود فعلا. لذا كان الباحثون عن الحق - لإتمام سلوكهم ولأداء مقتضى الفطرة المترسخ في طبائعهم من أجل المعرفة الكاملة - بحاجة إلى أن يعطوا القوى الروحانية أيضا علاوة على القوى العقلية لكي يقدروا – إذا استخدموا القوى الروحانية كما ينبغي و لم يحجبها حجاب - على الكشف عن وجه الحبيب الحقيقي بوضوح لم تقدر على كشفه القوى العقلية. إذن، فإن الإله الكريم الرحيم كما جعل فطرة الإنسان تجوع وتتعطش من أجل معرفته الكاملة، كذلك فقد أودع فطرة الإنسان نوعين من القوى بغية إيصاله إلى تلك المعرفة الكاملة: إحداهما القوى العقلية التي مصدرها الدماغ والثانية هي القوى الروحانية التي مصدرها القلب والتي يعتمد نقاؤها