فلسفة تعاليم الإسلام — Page 52
٥٢ يرضع من غير أمه إلا بصعوبة بالغة، وإذا لم يُرضع من مرضع أخرى وهو صغير لم يع بعد، فإنه استرضاعه من غير أمه بعد ذلك يصعب جدا، ويعاني مشقة عظيمة لدرجةٍ قد يُشرف بها على الموت، ويكره ذلك رضاعة الغير؛ فهو ينفر بطبعه من أن يترك ما عند والدته مع إلى ما عند سواها. فما هو السر في هذا النفور الشديد يا ترى؟ وإذا نَظَرْنا في عادة الرضيع هذه وأمعنا في تأملها وتدبرها لاتضح لنا بجلاء أن نفوره الشديد مما هو مُلكُ لغيره بحيث يعاني بسببه مشقة بالغة. . إنما هو المنبع الأول لصفة الأمانة. ولن يكون الإنسان صادقا في خُلُق الأمانة ما لم يجد في نفسه كالطفل- كراهية تامة ونفورا حقيقيا مما هو للغير. غير أن الطفل لا يستعمل هذه العادة في محلها، ويتكبد بجهالته معاناة شديدة، فليست عادته هذه إلا حالة طبعية يُظهرها بلا روية ولا اختيار، ولذلك فهي لا تعتبر من الخُلُق في شيء، وإن في شيء، وإن كانت هي المنشأ الأول للأمانة في الفطرة البشرية. فكما أنه لا يجوز أن يُدعى الطفل أمينا ذا تدين بسبب عادته الطبعية الفطرية، كذلك لا يجوز أن يوصف بالأمانة من لا يتصرف في طبيعته هذه بمقتضى الحال. إن الاتصاف بالأمانة أمر عظيم جدا، ولن يكون الإنسان أمينا حتى يستوفي جميع شروط الأمانة من كل الوجوه.