ينبوع المعرفة — Page 66
السلوك في الدنيا حدوده، وتترسخ في الطبائع أنواع العيوب والشرك والظلم وتترسخ أنواع المعاصي والجرائم وعبادة المخلوق في الطبائع وتنقش في الصدور وتترسخ في القلوب، فيبغض الناسُ الحقَّ والصدق إلى درجة أن يصبح هؤلاء المفسدون أعداء ألداء لواعظيهم وناصحيهم ويريدون إما أن يُقتلوا في هذا السبيل أو يقتلوا، ويؤذوهم ويقاوموهم بشدة. فالشخص الذي يأتي رسولا من الله في هذا الوقت للإصلاح يواجه مصائب كثيرة، أما الذي أتى رسولا من الله في بداية العصر اقتصرت مهمته على أن يربي الناس في زمن بدء الخليقة تربية روحانية كما تربي الأم أولادها، ويرسخ تعليمه في قلوبهم بكل سهولة، لأن القلوب تكون بسيطة عند بدء الخليقة، وأنواع الضلال التي تصيبهم بعد أن تتراكم على القلوب كالوسخ وتجعلها كثوب وسخ لا تكون موجودة عندئذ بل تكون القلوب كثوب أبيض. ثم تنشأ أنواع الذنوب والأعمال الطالحة إلى درجة أن يوشك الناس على الهلاك كثرة الذنوب، وتترسخ في قلوبهم عادات سيئة إلى درجة أنهم يتخذون المعتقدات الفاسدة والعادات الفاسدة دينا لهم. ثم يتولد في قلوبهم التعصب بسبب يحكم العقل بالقطع أن الكتاب الذي أتى في بدء الخليقة لن يكون كاملا، بل سيكون كمعلم يعلم الأولاد حروف الهجاء. والواضح تماما أن التعليم الابتدائي مثله لا يحتاج إلى مواهب عالية. أما الزمن الذي تقدمت فيه خبرة الإنسان ووقع الناس في أخطاء عديدة تمس الحاجة عندئذ إلى تعليم دقيق، وخاصة حين انتشرت ظلمة الضلال في العالم بشدة ووقع الناس في أنواع الضلال العلمي والعملي، عندها ظهرت الحاجة إلى تعليم أعلى وأكمل وهو القرآن الكريم. أما الكتاب في الزمن الابتدائي فلم يكن بحاجة إلى تقديم تعليم أعلى لأن الناس كانوا حينئذ بسطاء وما كان الضلال والظلام قد ترسخ فيهم بعد. أما الكتاب الذي نزل حين كان الضلال قد بلغ منتهاه وجاء لإصلاح الناس الذين ترسخت المعتقدات الفاسدة في قلوبهم وصارت الأعمال القبيحة كعادة لهم فكان حريا بتقديم تعليم أعلى. منه.