ينبوع المعرفة — Page 59
الجائع والظامئ الذي لا يجد غذاء ولا ماء ماديا. فبحسب تعليم القرآن الكريم يخلق الإنسان أسباب الهلاك لنفسه بنفسه والله تعالى لا يمارس الجبر والإكراه عليه. ومثله كمثل الذي يُغلق أبواب حجرته كلها ولا يجعل نافذة لدخول الضوء، فلا شك أن الظلام سيعُمّ حجرته. إذا، فإن إغلاق النوافذ هو فعل الإنسان ولكن إظلام الحجرة فعل الله بحسب قانونه السائد في الطبيعة. كذلك عندما يرتكب أحد فسادا أو سيئة يُظهر الله تعالى فعله بحسب قانونه الطبيعي تبعا لفعل الإنسان فيصبح فعله له عقوبة لذلك الإنسان، ولكن مع ذلك كله لا يُغلق باب التوبة. فمثلا لو فتح أحد نافذة غرفته التي كان قد أغلقها من قبل لأدخل الله تعالى الضوء في ذلك البيت فورا. إذا، إن غضب الله تعالى لا يعني بحسب القرآن الكريم أنه تعالى يُحدث في حالته تغيرا مكروها كما يُحدث الإنسانُ فيستشيط غضبا لأن الإنسان يحزن في حالة الغضب ويشعر بالألم ويغيب سروره، ولكن لا يغيب السرور عن الله تعالى ولا يصيبه ألم. بل المراد من غضبه الله أنه طاهر وقدوس، لذا لا يريد أن يسلك الناسُ مسلكا ينافي الطهارة مع كونهم عباده. فيريد و أن تُزال النجاسة نهائيا. فالذي يصر على عدم الطهارة يبعده الله القدوس في نهاية المطاف عن لطفه الذي هو مدار الحياة والراحة والسرور. وهذه الحالة تصبح مدعاة للعذاب لمثل هذا العاصي. إن مثل ذلك كمثل حديقة كانت تخضرٌ وتَنْضَرُ بماء القناة، ولكن عندما نبذ أصحاب الحديقة طاعة صاحب القناة حرم الحديقة من مائها وأقام سدا فجفت الحديقة. فليكن واضحا في هذا المقام أن بيان ضرورة الإلهام ليس من نصيب قوم يحسبونه مقتصرا على أزمنة غابرة لأن ما هو ضروري فعلا فإننا بحاجة إليه دائما. فإذا قيل بأنه كانت هناك حاجة إلى الإلهام في زمن خلا وليس الآن،