ينبوع المعرفة — Page 386
٣٨٦ جحيما له يعلم الجميع طبعا أنه عندما يعلم الإنسان بشيء مؤذ يهرب منه دائما لأنه يعلم أن في لمسه هلاكه. فمثلا لا يُقحم المرء يده في جحر حية لأنه 28 موقن أن فيه حيةً. كذلك لا يتناول المرء سُمَّا لعلمه أنه سم زعاف في الحقيقة. ولا يرى نفسه بحاجة إلى أية كفارة لاجتناب هذه الأشياء المؤذية ولا يرى حاجة إلى أن يُصلب أحد لينجو هو من هذه الأشياء المؤذية، بل كل ما يحتاج إليه هو أن يعلم علما يقينا أن شيئا ما مضر وفي لمسه يكمن هلاكه. فمثلا إذا علم المرء أن في هذا الجحر حية أو ذاك الشيء سمّ فتاك، يتولد في طبيعته خوف تلقائيا تجاه ذلك الشيء المؤذي بعد هذا العلم ولا يقترب منه قط بل يفر منه فرارا. فمثلا إذا رأى المريض أن تناوله شيئا معينا يؤذيه ويضر به ويهدد حياته، فهو يحترز من ذلك الشيء، بل لو أُعطي ذلك الشيء مجانا الرماه بعيدا. فلما كانت هذه المزية موجودة في طبيعة الإنسان في كل مكان ومناسبة ينشأ سؤال طبيعي: لماذا لا يجتنب الإنسانُ الذنب في حق الله؟ ولماذا لا يفر من هذا الشيء المؤذي كما يفر من الأشياء المؤذية الأخرى؟ الجواب الواضح على هذا السؤال هو أن الإنسان لا يوقن بضرر الذنب كيقينه بضرر الحية وغيرها. فلما عُلم بوضوح تام وتبين بجلاء أن الإنسان ليس بحاجة إلى كفارة لاجتناب الذنب بل هو بحاجة إلى أن يتسنى له يقين كامل بوجود الله ويوقن أن الذنب بحق سم زعاف، عندئذ سيحذر الذنب حذر الحية وغيرها. الله أيها الأحبة، السبب وراء عدم خوف الذنب هو أن الإنسان الغافل لا يؤمن إيمانا يقينيا بالله ولا بعقوبته، وإلا فالإنسان جبان في حد ذاته. فمثلا لو كان هناك بعض الناس جالسين تحت سقف بيت ووقع زلزال شديد فجأة، لأسرع