ينبوع المعرفة — Page 261
٢٦١ ثم اعترض المحاضر أن أسلوب خلق العالم مذكور في القرآن بصورة خاطئة. فأقول: إذا كان المعترض يقصد من هذا الاعتراض أنه قد ورد في القرآن الكريم أن كل شيء خُلق بأمر الله، ولكن ربط وجود شيء ما بأمر الله يخالف قوانين علم الطبيعة، فإن هذا الاعتراض سخيف ولغو لأن الذي يؤمن بالله تعالى ويعتقد أن كل شيء جاء إلى حيّز الوجود بمشيئته يعلم أنه لا بد له من الاعتقاد أيضا أنه لا يمكن أن يأتي أي شيء إلى حيز الوجود دون أمر الله تعالى. وإذا كان لا يؤمن بالله تعالى لأقامت عليه الحجة أدلة قوية وبديهية. وإن قلتم بأن الاعتراض هو أنه يثبت من القرآن الكريم أن الله تعالى خلق كل شيء في لمح البصر، فهذا كذب لأنه ثابت من القرآن الكريم أنه خلق في ستة أيام. ولكن ليس المراد من ستة أيام هى الأيام المعروفة لدى الإنسان. بل المراد من كل يوم بحسب تصريح القرآن هو آلاف السنين وإن قلتم بأنه لا يثبت من القرآن الكريم أن الله خلق الأجرام السماوية أو الأرضية من مادة كذا وكذا فهذا تدخل بلا مبرر في قدرات الله اعلموا أنه ليس بوسع الإنسان قط أن يطلع على أفعال الله الدقيقة كلها بل الحق أن أفعاله لا تفوق العقل والفهم والقياس. وعلى الإنسان ألا يعتز بعلمه المحدود بأنه قد اطلع إلى حد ما على سلسلة العلل والمعلولات، لأن علم الإنسان في هذا المجال محدود جدا، ومثله كمثل جزء واحد من عشرة ملايين من قطرة واحدة من قطرات ماء البحر. والحق أنه حاشية: إنه لمن الغباوة القصوى الظنُ أنه يجب أن تقاس إرادات الله وقدراته الخفية على ما ظهر للعيان من قانون الطبيعة فقط لأنه لا بد من وجود الحد الأدنى من المساواة من أجل القياس، ولكن ما دام علم الإنسان عن قدرات الله ليس حتى بقدر نسبة البلل على رأس الإبرة مقارنة مع ماء البحر العظيم؛ فكيف يمكن أن يكون هذا القدر القليل من علم الإنسان معيارا لتلك القدرات الخفية اللانهائية؟ إذا كانت قدرات الله تعالى تقتصر على ما أحاط به