البراهين الأحمديّة الجزء الخامس — Page 190
البراهين الأحمدية (۱۹۰) الجزء الخامس كمال الارتقاء. وبين التطابق بين الارتقاء الروحاني والمادي بصورة خارقة للعادة بحيث لم يسبق إلى هذه المعرفة الجليلة ذهن أي إنسان منذ أن خُلق، وإن ادعى أحد بذلك فعليه تقع المسئولية أن يثبت وجود هذه الفلسفة المقدسة في كتاب بشر. واعلموا أنه لن يقدر على إثباته أبدا. فإنها معجزة واضحة أن الله أظهر في هذه الآيات المباركة التطابق العميق الموجود بين الارتقاء الروحاني والمادي الذي يواجه الإنسان في سبيل بلوغه مرتبة الوجود الكامل. ويتبين من هنا أن الخلق الباطني والظاهري يصدران عن يد واحدة، ألا وهي يد الله الله. لقد أثار بعض الجهلاء اعتراضا آخر أيضا، وهو أن صورة الوجود للإنسان المادي - كما صوّرها الله تعالى في القرآن الكريم بدءا من حالة النطفة إلى وجوده الجسدي ليست بصحيحة بحسب الاكتشافات الطبية الحديثة في العصر الراهن، ولكن ذلك يدل على حمقهم إذ فهموا من هذه الآيات كأن الله يخلق في الرحم جسم الإنسان بحيث يتفرغ أولا من خلق عضو واحد تماما ثم يخلق عضوا آخر. ولكن الآيات لا تعني ذلك بل كما شاهدنا بأم أعيننا حالات الأجنة من المضغة فما فوقها أن الخالق الحقيقي يخلق في الرحم جميع الأعضاء الداخلية والخارجية في آن معًا، أي كلها تتكوّن في وقت واحد دون أن يكون في خلقها تقدم أو تأخر. غير أنه من الثابت أن وجود الإنسان يكون أولا علقة ثم تتحول العلقة كلها إلى مضغة في وقت واحد، ثم يصبح بعضها عظاما في مواضعها المناسبة، ثم تُكسى هذه المجموعة كلها لحما في وقت واحد يقال له جلد الجسد، ويُضفى عليه الحسن والجمال. وفي هذه المرحلة يكتمل تكوين الجسم، ثم تنفخ فيه الروح، وكل هذه المراحل قد شاهدناها بأعيننا. والآن أتناول ذكر المراحل الست الروحانية كما ذكرها الله تعالى في القرآن الكريم فيقول تعالى: (۱) قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ