البلاغ — Page 98
ترغيب المؤمنين في إعلاء كلمة الدين ٩٤ وقد سبق منا الذكر بأن القوم تفرّقوا في أمر كتابه، فبعضهم استحسنوا التوجّه إلى جوابه واستهجنوا أن يرفع الشكوى إلى السلطنة، فإنها من أمارات العجز والمسكنة، وفيه شيء يخالف التأدب بالدولة العالية، وقالوا إن الترافع ليس من المصلحة، فلا تسعوا إلى حكّام الدولة، ولا تقصدوا سيئةً بأنواع الحيلة، بل اصبروا وغيضوا دموعكم المنهلات ولا تذكروا ما قيل من الجهلات، وادفعوا بالتي هي أحسن وأنسب بشأن الشرفاء، ولا غلبةً تسعوا إلى المحاكمات بالصراخ والبكاء، وإن لنا كل يوم بالأدلة القاطعة، وسطوةً دامغة بالبراهين اليقينية، فلا يُحتقر ديننا عند العقلاء، ولا يُحقَّر بتحقير السفهاء، فالرجوع إلى الحكومة كالنائحات أمر لا يعُدّه غيور من المستحسنات. وليس هذا العدو بواحد فنستريح بعد ،نکاله بل نرى كثيرا من أمثاله لهم أقوال كأقواله ومكالٌ كمثل مكاله ولم يبق بلدة ولا مدينة من مدائن هذه البلاد، إلا نزلوا بها، وتخيّموا للفساد في الأرضين. وكانوا في أول زمنهم يتزهدون ويوحدون، ويروّضون أنفسهم ويراوضون، ويكفون الألسن ولا يهذون. ثم خلفوا من بعدهم خلف عدلوا عن تلك الخصلة، ورفضوا وصايا الْمِلّة، وهجوا الأتقياء والأصفياء، وتركوا الصلاة وأكلوا الخنزير، وشربوا الخمر وعبدوا إنسانا كمثلهم الفقير، وسبق بعضهم على البعض في سبّ