مرآة كمالات الاسلام — Page 310
۳۱ مرآة كمالات الإسلام وسمعت أمي تقول لي مرارًا: إن أيامنا بُدّلت من يوم ولادتك، وكنا من قبل في شدائد ومصائب، وذا أنواع كروب ومحن فجاءنا كل خير بمجيئك، وأنـت مـن المباركين. وكان أبي يعرج من مرتبة إلى أخرى، ومن عالية إلى عليا، حتى عرج إلى معارج الإقبال، وخلع الله عليه من خلع الإكرام والإجلال، وما ألته من شيء، وصار من المتمولين. ثم غلب عليه تذكار الوطن والحنين إلى المسارح المهجورة والعطن، فقوّض خيام الغربة والغيبة، وأسرج جواد الأوبة إلى الأهل والعشيرة، ورجع سالما غانما إلى العترة بنضرة وخضرة ومتاع وأثاث رحيبَ الباع، خصيب الرّباع. وكان ذلك فعل الله الذي أذهب عنا ،حزننا، وأماط شَجننا، ومَنّ علينا، وتولى وتكفل وأحسن إلينا، وهو خير المحسنين. ثم عزم أبي على أن يسبر بخته في الزراعات، لينجو من السفر المبرح، والبين المطوّح من الأهل والبنين والبنات فاستحسن لنفسه اتخاذ الضياع، والتصدي للازدراع، فأحمد بفضل الله معيشته واسترغدَ فيها عيشته، ورُدّ عليه قليـل مـن القـرى، التي غُصبت من الآباء في زمن خلا. وقواه الله بعد ضعف المريرة، وبارك الله له في أشياء كانت من قبل نَكِدَ الحظيرة. وكل ذلك كان من فضل الله ورحمته، وإن خفي على المحجوبين، ليتم قول رسوله الا الله إن الموعود الآتي يكون من الحارثين. هذا قليل من سوانح أيام ولادتي وصغر سني. ولما ترعرعت ووضعت قدمي في الشباب، قرأتُ قليلا من الفارسية ونبذة من رسائل الصرف والنحو وعدة من علوم تعميقية، وشيئًا يسيرًا من كتب الطب. وكان أبي عَرّافًا حاذقًا، وكانت له يد طولى في هذا الفن، فعلمني من بعض كتب هذه الصناعة وأطال القول في الترغيب لكسب الكمال فيها، فقرأت ما شاء الله، ثم لم أجد قلبي إليه من الراغبين. وكذلك لم يتفق