مرآة كمالات الاسلام — Page 96
مرآة كمالات الإسلام الواردة في هذه الآية على عاص ومتمرد يترك طريق العدل ويختار الشرك والإلحاد عمدا، لأن شخصا مثله خارج عن دائرة التقوى بلا شك ولا يستحق مطلقا أن يُعدّ حتى من أدنى أنواع المتقين. ولكن هذه الآية لا تُدخل "الظالم" في حزب المتقين والمؤمنين فقط بل تعُدّه رئيس المتقين والمختار منهم. فثبت كما قلتُ قبل قليل، أن الظالم المذكور في هذه الآية ليس من الظالمين الذين يخرجون من دائرة التقوى كليًّا، بل المراد هم أولئك الذين يواجهون ظلمة المعصية ولكن مع كل ذلك ليسوا متمردين بل يصارعون نفوسهم المتمردة دائما ويريدون أن يجتنبوا أهواء النفس تكلُّفا وتصنُّعا قدر الإمكان، ولكن تغلبهم النفس تارة وتوقعهم في المعصية، وتارة أخرى هم يغلبون ويزيلون تلك البقعة السوداء بكثرة البكاء. وإن هذه الصفة الموجودة فيهم ليست مذمومة بل محمودة وهي وسيلة للترقيات غير المتناهية والمجاهدات الشاقة. والحق أن صفة معارضة النفس هذه التي تسمى بتعبير آخر بالظلومية، إنما هي ميزة فريدة ومحمودة جدا أُعطيها الإنسان ولم تعطها الملائكة فيقول الله تعالى مشيرا إلى هذا الأمر: وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ). أي أن الإنسان يتحلى بصفة الظلوم والجهول، لذا حمل هذه الأمانة التي لا يستطيع حملها إلا الذي يتحلى بصفة عداوة نفسه والشدة عليها. فباختصار، إن صفة الظلومية مركَب لمراتب سلوك الإنسان، ووسيلة عظيمة أُعطيها لنيل مقامات القرب؛ فتتجلى في أوائل المجاهدات الشاقة بصورة نار جهنم، ولكنها في النهاية توصل إلى نعماء الجنة. والحق أن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جثِيًّا هو الآخر يشير إلى صفة الظلومية المحمودة؛ فلام التعريف في "الظالمين" ٥٠ الأحزاب: ۷۳ مریم: ۷۲ - ۷۳