مرآة كمالات الاسلام — Page 485
مرآة كمالات الإسلام ٤٨٥ شأنه، بل هم مشغولون في المشاغل الدنيوية ليل نهار وكأنهم لا يذكرون الموت نهائيا. وسبب ذلك أيضا عائد إلى الظلام المخيّم على قلوب أكثرهم، ولم تبق فيها أدنى ذرة من نور المعرفة. فليكن واضحا أنني قد أثبت إلى الآن ضرورة الملائكة تماما، وذلك يتلخص في أن الله فوق كل شيء من حيث تنزهه ،وتقدّسه، ويستخدم المظاهر المناسبة في تدلّياته وتجلياته. ولأن الأشياء المادية بعيدة كل البعد عن الله تعالى علة العلل وصاحب الفيض الكامل، لكونها مقيدة كليا بقيود وجودها، وتسمى بـ "الموجود" مقابل وجود الله البارئ، وتختص بإرادتها وأفعالها الطبيعية ولها وجود مستقل جامع لهوية النفس ومانع لهوية الغير، وتحيط بها حُجُب غليظة لأنانيتها ومخلوقيتها لذا لم تعد مستحقة أن تنزل عليها فيوض الله الأحد بصورة مباشرة، والتي لا تنزل إلا إذا لم تكن الحجب المذكورة حائلة، وأن يكون هناك كيان يشبه العدم تماما. فلما لم يكن وجود هذه الأشياء شبيها بالعدم بل كل شيء من المخلوقات من هذا القبيل يعلن وجوده بأعلى صوته؛ فمثلا تعلن الشمس : أنا التي تتوقف عليها الحرارة والبرد والضوء كله، وألقي بتأثيراتي الـ ٣٦٥ نوعا على العالم في ٣٦٥ يوما، وأسخن ما واجه أشعتي وأبرّد ما انحرف عنها، وأسيطر على الأجسام ومكوناتها وأشكالها وحواسها. وتقول الأرض: أنا التي يسكن على سطحي آلاف البلاد، وأنبتُ أنواع النباتات وأكون في أحشائي شتى الجواهر وأستقبل كالمرأة تأثيرات السماء، وتقول النار بلسان حالها: أنا حارقة وأملك في ذاتي قوة الإحراق، وأنوب مناب الشمس في الظلام. كذلك يمدح كل شيء في الأرض نفسه بلسان حاله؛ فمثلا تقول نبتة "الشنا": أخلق في جسم الإنسان تأثيرا حارا في الجزء الأخير من الدرجة الثانية، ومحفّف في الدرجة الأولى ومسهل للبلغم والسوداء والصفراء والاختلاطات المحرقة، وأنقي الدماغ وأفيد في الصرع وألم الشقيقة والجنون والصداع المزمن وألم الجنب، وضيق التنفس والقولنج