مرآة كمالات الاسلام — Page 264
٢٦٤ مرآة كمالات الإسلام وتفاصيله العظمى، وكان يعلم أنهم يموتون كلهم قبل ظهور ذلك النبأ وما يجديهم تفاصيله نفعا فأراد أن يعطيهم ثواب الإيمان بعوض ما فات منهم ويهب لهم بعد إيمانهم أجرا حسنا. فترك تفاصيل هذا النبأ في وحيه واختار إجمالا لطيفا مبهمـا كالمعمى. وجعل هذا الإجمال متحليا بالاستعارات ومصبوغا من المجازات والكنايات، وأبعد من الأفهام والدرايات والقياسات ليبلوهم أيهم يتبع أمرا. فآمنوا فرضي الله عنهم وجزاهم خير الجزاء، لأنهم أحسنوا الظن في الله ورسوله، وآمنوا بما لم يعرفوا حقيقته ولم يدركوا ماهيته أصلا. وأما الثانية. . فإنه أراد – جل اسمه ليبتلي الآخرين كما ابتلى الأولين، ليغفر لهم ذنوبهم ويهيئ لهم عند إيمانهم رشدا. وكانوا يعملون السيّئات من قبل وأضاعوا فيها قرونا وحُقُبا. وغلبت عليهم الشهوات حتى لم يملكوا أنفسهم، وحصدوا زروعها في الأهواء، وشابهوا صعيدًا جُرُزا. فأظهر الله ذلك النبأ المجمل المستور خلاف زعمهم ليبتليهم به رشدا وعلما وفهما، وليعطي المؤمنين كِفْلَين من رحمته ويجعل لهم لرضائه سببا. وكان هذا كله ابتلاء من عنده ليميز المؤمنين المخلصين من غيرهم، ويتوب عليهم فضلا ورحما، وليخزي عقول الذين استكبروا في أنفسهم واتخذوا عبد الله وتبليغه سُخرة وهزُوا . وكذلك أمر الله، إذا شاء ابتلاء قوم مذنب. . فربما يلبس عليهم نبأ موعودًا، ويقلب عقولهم وأفهامهم، فلا يفهمون سر وعد الله ولا موعدا، ليذيقهم سوء ما عملوا من قبل ويجعلهم من الذين عادوا عبدًا صادقا، وزادوا حيفا وشَطَطًا. فينكر تأويل النبأ في أعينهم فيحسبونه شيئًا فَرِيًّا مختلفا. وما يحلقون إلى حيث يحلّق ذو النهى، ولا يرون الإشارات المطويّة في ذلك النبأ الأخفى، ولا يخافون فتنة الله التي تصيب المجرمين خاصة ويجادلون كالأعمى. أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون بنوع من الابتلاء؟ وقد خلت سنن الله في مثل ذلك، وفيها عبرة لكل قلب يخاف ويخشى.