مرآة كمالات الاسلام — Page 115
مرآة كمالات الإسلام ۱۱۵ الجميع من حيث المعارف الإلهية والأسرار والعلوم الربانية، وأن الله تعالى قد مسحك بعطر معرفته أكثر من غيرك. إذًا، فقد جعل الله تعالى العلم والمعرفة وسيلة لإدراك حقيقة الإسلام، مع أن هناك وسائل أخرى أيضا لإدراكها؛ مثل الصوم والصلاة والدعاء والعمل بكافة أوامر الله التي تربو على ستمئة ،أمر ولكن العلم بعظمة البارئ عزّ اسمه وبوحدانية ذاته، والمعرفة بشؤونه وصفاته الجلالية والجمالية هي أعظم الوسائل التي تتوقف عليها الوسائل الأخرى كلها؛ إذ كيف لغافل القلب والمحروم تماما من معرفة الله أن يوفق للصوم والصلاة والدعاء، أو يكسب الخيرات الأخرى؟ إذ الدافع وراء كل هذه الأعمال الصالحة هو المعرفة وهى منشأ الوسائل الأخرى كلها، وهي تتولد منها. وإن بداية هذه المعرفة هي بسبب صفة الرحمانية وليست نتيجة أي عمل أو دعاء، بل هي فقط هبة من الفيض الذي لا علة فيه، يهدي من يشاء ويضل من يشاء. ولكن هذه المعرفة تزداد نتيجة الأعمال الصالحة وحُسن الإيمان حتى تنزل في نهاية المطاف بصورة الإلهام وكلام الله وتنوّر الصدر كله بالنور الذي يسمى الإسلام. وعند الوصول إلى هذه الدرجة من المعرفة التامة لا يبقى الإسلام مقتصرا على الألفاظ، بل تتسنّى جُل حقيقته التي تناولتُ ذكرها قبل قليل، وتضع روح الإنسان رأسها على عتبات الله بكل تواضع وانكسار. عندها يصدر من كلا الجانبين صوت يقول: كل ما هو لي فهو لك؛ أي تنطق روح العبد وتقرّ بأن كل ما هو لي فهو لك يا ربي، ويتكلم الله تعالى أيضا ويبشر عبده قائلا: يا عبدي، كل ما هو معي من السماوات والأرض وغيرهما فهو معك كلُّه. وقد أشير إلى هذه المرتبة في الآية: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا )) (الزمر: ٥٤)؛ إذ قال تعالى في هذه الآية: قُلْ يَا عِبَادِي أي قل يا خدامي ولم يقل: "قل يا عباد الله"، والسرّ في